التخطيط للبنية الأساسية لمجتمع المعلومات
بالجماهيرية
الليبية : رؤية تحليلية
*

 

حنان الصادق بيزان
ماجستير مكتبات ومعلومات
عضو هيئة تدريس متعاون ـ جامعة الفاتح
أخصائية معلومات بالهيئة الوطنية للمعلومات والتوثيق
hanbezan@yahoo.com

 

النقاط الرئيسية
تنمية التوجه الاستراتيجي نحو التخطيط
الاستفادة من تجارب الآخرين
مصر
تونس
السعودية
نيجيريا
ماليزيا
التنسيق بين آليات التخطيط وأدوات التنفيذ
الهوامش

مستخلص
دراسة حول السياسات الوطنية للمعلومات تهدف الى التخطيط لوضع سياسة وطنية للمعلومات وبناء مجتمع المعلومات في الجماهيرية الليبية ، وذلك بتناول اهمية التخطيط لبناء مجتمع المعلومات ، ثم عرض لتجارب بعض الدول في التخطيط نحو انشاء مجتمع للمعلومات بها وهي : مصر ، السعودية، تونس، نيجريا، وماليزيا.

الاستشهاد المرجعي بالبحث

حنان الصادق بيزان . التخطيط للبنية الأساسية لمجتمع المعلومات بالجماهيرية الليبية : رؤية تحليلية . - cybrarians journal . - ع 3 (ديسمبر 2004) . - تاريخ الاتاحة < اكتب هنا تاريخ اطلاعك على الصفحة > . - متاح في : www.cybrarians.info/journal/no3/infosociety.htm

 

 

 

 أولا : تنمية التوجه الاستراتيجي نحو التخطيط

   سبحان الله ، ياله من مخاض عسير رهيب هـذا الذي تمر به المجتمعات البشرية وهي تدخـل رحاب ألفيه جديدة في عالم مثير ومغاير طارحاً قيمـاً ومبادئ وأخلاقيات لم نألفهـا من قبل ، حيث رفعت الحواجز واقتربت المسافات الى حـد جعل العالم قرية صغيرة مرتبطة بشبكة معقدة قاربت بين الشعوب والأمم الى حـد التفاعـل الشديد السريع ، خلقت حالة تداخـل شديدة بين الأفكار والثقافات ونتج عنها صراعات واصطدامات ، ذوبان وانصهار بشكل لم يعـد هناك مجالا لإقامة أسوار الحماية ، بل اصبح الاندماج الحضاري والثقافي والتداخل الإنساني الى حد لا يتصور .

      ومن المعلوم ان تطور المجتمعات كنتيجة طبيعية للانتشار الواسع لتقنيات المعلومات والاتصالات وما أحدثته من تأثيرات في إعادة التشكيل ، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال الى تزايد انسياب وتدفـق كميات المعلومات عبر مختلف الوسائل المجتمعية ، وكان ذلك متغيراً محفزاً على الصعود والارتقاء من المجتمع الصناعي الى المعلوماتي ، مما أدى الى ارتفـاع معـدلات الناتـج القومـي للمعلومـات والمعرفـة [1] ، وهـذا سيـودي بطبيعة الحال الى تغييـر في أنماط الحياة والعمـل واحتياجات السـوق ، بمعنى ان عـدداً كبيـراً من الناس سيفقـدون مجالات اعمالهم التي ألفوهـا وتمكـنوا منهــا .

       ان المعلوماتية لـم تعـد تعنـي نقـل المعلومات لأوسع عـدد من الأفراد والمؤسسات فحسـب وإنما هي ذاك الفـرز المتواصل بين مـن يولـد المعلومـات (الابتكار) ويملك القـدرة على استغلالهـا وتوظيفهـا (المهارات) وبين المستهلك لها بمهارات محدودة ، الأمر الذي يستوجب علينا اكتساب مهارات التفاوض والحوار للتواؤم مع المستجدات المتلاحقة في عالـم المعلومات والمعرفة ، فلا عاصم اليوم من الإعصار المعلوماتي حيث اصبـح الرهـان أم " الإلحاق او الانبطـاح والانسحـاق " بمعنى أما ان نكون او لا نكـون خيارين لا ثالث بينهم .

      ولنتفق منذ البداية على ان الواقـع يفرض علينا التسليم والاعتـراف بضرورة التخطيط ، فنحن أمام تخلق نموذج مجتمعي جديد ستهيمن فيه المعرفة بكل صورها وتتحول بثبات الى ما يطلـق عليـه باقتصـاد المعرفـة خالـقة بذلك فئـة جديـدة تعرف بعمال المعرفة ، لهذا لابـد ان نطـور من حياتنـا وان نمتلك الوسائل التي تمكننا من الالتحاق ، فهـل ننجح في كسب الرهان ؟ ونتمكن من إيجاد مكاناً مميزاً في هـذا العالم الجديد الذي فيه تتساقط الحدود وتتوحـد الأسواق وتتسع دائـرة المنافسـة وتتوالـد فيـه المتغيرات والمعاييـر .

     إن ذلك لـن يتأتى الا بواسطة التخطيط الجيـد اذ ان قضية التخطيط والاستعـداد لتوجـه الاستراتيجي لمجتمع المعلومات يعتبر مدخــلاً للمعلوماتية وأداة من أدواته ، وخاصـة بالنسبـة للـدول النامية وذلك من خـلال التخطيط على المستوى المحلي ومن ثم التكتلات والتضامن لبنـاء نظـم وطنية للمعلومات ، فعالمنا المعاصر لم يعـد يعترف الا بلغـة التجمعات والفضاءات الكبرى حيث أصبحت فرض أنماط ثقافيـة وقوالـب فكريـة مـن أهم القضايـا الفكريــة الشائكـة التى تحتم التخطيط ووضـع استراتيجية وطنيـة لمجتمع المعلومـات .

       والطرح أعلاه يعد بوابـة الأمان للدخول في الركـب للحـاق بالمجتمعات المتقدمـة بـل ومنافستـها ، ومن هنـا تبرز أهمية التخطيط كمرتكزاً أساسـياً لبنـاء المجتمع المعلوماتي القـادر على المنافسة فـي عصـر المعلومات[2] ، وإيمانـاً من الباحثة بأهمية هـذا الموضوع وحرصـاً على ان تكـون الجماهيرية الليبية من الدول السباقة ، جـاءت هـذه الورقة لمحاولـة إيجاد مخـرج للإشكالية وإرسـاء دعائـم وأسس مجتمع المعلومـات وذلك عن طريـق التخطيـط من اجـل وضـع آليات تنفيـذ البني الأساسية لمجتمع المعلومـات المستقبلي بالجماهيرية .

    وإن المتتبع للتطورات العصرية يدرك أهمية تقنيات المعلومات(IT)Information Technology  ومكوناتها الأساسية من برمجيات ومعدات واتصالات فهي أشبه ما تكون منظومة متكاملة يتمحور فيها الطريق السريع للمعلومات الذي يعد من اللبنات الأساسية المساهمة في تطور الـدول ورقيها وتأكيد هويتها وحضارتها والشكل رقم (1) يوضح المكونـات الأساسية لتقنيات المعلومـات التي يفترض توفرها ، وهنا تبرز قضية غايـة في الأهمية الا وهـي تضمين الخطط التنمويـة الاهتمام بالجوانـب التقنية وتوظيفها ـ فمثلا من ناحية مجابهة الغزو الفكري الثقافي تـعـد ملاحقة التطور في تقنيات المعلومات والاتصالات عاملا حاسمـا للحفاظ علـى المقومات الثقافية العربية والإسلاميـة ، إضافـة لأهمية استثمار التقنيات الحديثـة في التعليم وتنميـة الإبــداع ، كما يعتبر نقل وتوطين التقنية من أهـم مقومات الاقتصـاد الوطنـي  ،  كمـا سيتضح في متـن الورقة لاحقا .

الشكل رقم (1) يوضح المكونات الأساسية لتقنيات المعلوماتIT

    وان هذا التمهيد يحملنا للتأكيد على ان المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي الجديد اصبح قائماً على صناعات الانفوميديا* وهذا يُعد من اكبر الصناعات العالمية الآن وأكثرها ديناميكية ونمو ، إضافة الى ما تحققه صناعة المعلوماتية من أرباح اقتصادية في مجالات شتى ، بمعنى آخر ان من ضمن الدوافع وراء تبني خيار التخطيط واستثمار التقنية تلك النتائج الإيجابية التى تنتج عن هذا الخيار والتى تتضمن عوائد مادية عالية للدخل القومي وتوفير بيئة استثمارية  لاجتذاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وتوفير تقنيات حديثة لتسويق المنتجات (التجارة عن بعد) ، وتوفير فرص وظيفية مع تخفيض التكاليف في القطاعات الحكومية وإتاحة التعليم عن بعد كذلك تحسين وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين .

     ومن هنا يصبح بإمكاننا التأكيد على نتيجة هامة وهي انه لن يكون لاى مجتمع دوراً حتى ولو هامشيا الا بالحصول على المعلومات وتوظيفها والتحكم بها ، لقد كانت المعلومات مند ربع قرن من الزمان تعتبر المورد الخامس من موارد الدول المتقدمة بعد الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة ولكنها الآن قفزت الى المرتبة الأولى من بين تلك الموارد ، حيث أصبحت معظم الصادرات عبارة عن معلومات وما يدور في فلكها ، وعلى هذا الأساس تسعى معظم الدول لصياغة سياسة وطنية للمعلومات تنسجم مع أهداف خطة التنمية الوطنية بكل القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ...الخ ولتحقيق ذلك يستوجب في  السياسة الوطنية للمعلومات ان تتضمن الجانب التقني وان تكون من أهم العناصر الأساسية في إطار خطط التنمية الوطنية .

      اذ ان الاستراتيجيات تعد من الضرورات التى تتشكل على أساسها رؤية متكاملة لتعميق الوعي بأهمية المعلومات ودورها في البناء والتقدم العلمي والحضاري ، كذلك إيجاد اهتمام لتطوير واقع البني الوطنية للمعلومات وإرساء دعائـم النظـام الوطني للمعلومات الذي يسهم في تكوين مرتكزاتة نظام مؤسسي معلوماتي بالدولة في إطار مركزية إدارية منسقة ، تستهدف جمع وتنظيم وحفظ وتحليل المعلومات وتيسير انسيابها والإفادة منها كذلك إنتاج المعرفة وتصنيع البرمجيات والأجهزة [3] ، مع الآخذ في الاعتبار ضرورة ربط الاستراتيجية الوطنية للمعلومات والاتصالات بالاستراتيجية القومية على مستوى الوطـن العربي لإيجاد نظام عربي موحد للمعلومات .

       اذ تُعد قضية إيجاد شبكة اتصالات لضمان الوصول السريع للمعلومات وزيادة التواصل المعرفي الفكري الذي يعد صناعة وخدمة ضمن إطار قطاعي متكامل يشمل البنيـة التحتية للخدمات التقليدية وإعـداد او تصنيع التجهيزات والأدوات ومن ثم إنتاج أدبيات فكرية من أهم مقومات المجتمع المعلوماتي الناجح كذلك الارتفاع بمستوى الإنتاجية في إطار التنافس الصناعي والتجاري بما يحقق مكاسب للمجتمع ، بمعنى ان ارتفاع معدلات الإنتاج مبنية أساساً على استخدام المعلومات كمورد يـؤدي بـدوره الى نمو الابتكار والابـداع الفكري وبالتالي يصبـح الاقتصاد منافساً وهذا من شأنه زيادة القيمـة المؤدية الى زيـادة الدخـل القومي ، وهذا لا يتأتـى الا بتوفر قـوة فكريـة ماهـرة .

      وان ما تقدم أعلاه أشبه ما يكون بسلسلة تتضمن مجموعة من الحلقات وأول حلقاتها هو التخطيط لسياسة المعلومات بالدولة ، فالسياسات المعلوماتية كما عرفها كريستيانسون Kristiansson  في 1996 عبارة عن مجموعة من البيانات اللازمة لخلق وتطبيق جملة برامج معلوماتية ضمن إطار التطور الاقتصادي العالمي وبالتالي فهي عبارة عن خطة تنفيذية عامة رغم صعوبات وتعقيدات التنفيذ الا أنها تُعد محاولة على طريق النجاح ، وفي حالة الإخفاق يرجع السبب لوجود خلط فهيمي في التمييز بين الأمور التى لها علاقة بسياسات المعلومات على المستويات الوطنية على اختلافها وبين تلك المتعلقة بجهات محلية ومؤسسات القطاع الخاص او المهن المختلفة [4] وسيكون لنا عودة لذلك في متن الورقة فيما بعد .

     وتقودنا التصورات الى ان هناك جملـة مـن المتغيرات المجتمعية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) التى تعمــل بشكل او بآخر على دفع المجتمعات لتبني برامج ومشاريع معلوماتية لدعـم ذلك القطـاع الحيوي من خلال الاهتمام بالخطط الإنمائية التى تتضمن في جوهرها البنية التحتية الوطنية للمعلومات (The National Information Infrastructure) ، ونظـراً لأهميتها فأنها اعتبرت بمثابة الشعار الاقتصـادي السياسـي اذ تمثل بُعداً استراتيجيا متميزاً وعامـل مـن عوامل التقدم الاقتصـادي المسلـم به .

      ويضاف الى ذلك نمو نظم مؤسسية معتمدة كلياً على الاتصالات والمعلومات ، اذ أصبحت ظاهرة يتسم بها المجتمع المعاصر حيث يتعمم فيها إرساء نظم معلوماتية واقتناء تجهيزات واستخدام شبكات تراسل المعلومات بكثافة [5]، بصورة  أصبحت لها مكانة مهيمنة على غيرها من القطاعات الأخرى بالمجتمع  فعلى الرغم من تشابه وعدم وجود اختلافات جوهرية في غايات وأهداف السياسات المعلوماتية بين الدول ، الا ان هناك اختلافات في العوامل التى وراء هذا السياسات وفي آلية تطبيقها كما سنرى لاحقاً .

     إضافة الى قولنا ان الاختلاف عائداً بطبيعة الحال الى تباين مستويات التطور والتقدم لتلك الدول واختلاف أنظمتها السياسية وتركيبتها المجتمعية ، ولعلنا نقف جميعا على حقيقة واحدة وهي قد يكون إجحافاً في حقاً نحن البلدان الأقل تقدما ان نعيد  تجارب الدول الأكثر تقدماًَ بحذافيرها ، اذ ان لكل دولة او مجتمع طبيعة خصوصيته وتركيبته ونسقه الاجتماعي التى تعمل على نسج جملة من المتغيرات الدافعة لضرورة إيجاد قطاع معلوماتي متنامي .

ثانيا : الاستفادة من تجارب الآخرين لتحقيق الغايات

     ولعل ما يدفع الدول والحكومات الى ضرورة إعادة النظر في الخطط والسياسات من اجل الدخول في عصر حضاري جديد والتكيف مع الواقع الجديد المكون من مجموعة من البني الأساسية المجتمعية ( التحتية والفوقية ) ، هو ذلك الانفجار المعلوماتي الذي تنبأ إليه ألبرت انشتاين حيث توقع انفجار قنبلة مماثلة للقنبلة الذرية مع نهاية القرن العشرين والدخـول في الألفية الجديدة وهي قنبلة المعلومات المرتكزة أساسا على التطور الهائل الحادث في الوصول السريع للمعلومات ( الطريق السريع والفائق  للمعلومات Information Super Highway ).

       وعند التفكير بالتخطيط الجاد للطرق السريعة للمعلومات فان الاستناد على جملة من الأدوات لتعبيد الطريق تأتي على قائمة الأولويات توفير نظم مؤسسية بأيدي إدارية ماهرة للقيـام بمقاولات وصناعات متطورة من اجل توفير نوعين من الهياكل والبنيات الأساسية لمجتمع المعلومات ، وهي البني التحتية للمعلومات ( عمل توسعات هاتفية واعتماد الكوابل وتوظيف الحواسيب ومد الألياف البصرية وإتاحة شبكات رقمية لتراسل المعطيات والاتصال عن بعد وبرمجيات ذكية ) .

     أما عن البني الفوقية للمعلومات التى في مضمونها (إنتاج أدبيات إبداعية لمؤسسات علمية أكاديمية بحثية ومواد فكرية وثقافية وترفيهية ، وقواعد البيانات الإلكترونية ، إضافة الى إنتاج تلك الخدمـات معتمدة بشكل كبير على صناعات إعلامية معلوماتية متطـورة تدخل ضمن نطاق الذكـاء الاصطناعي والنظم الخبيرة ) ، وتعتمد تلك البني المجتمعية بشكل كبير على تنمية طاقات العلم والفكر والابداع ، كما يتضح من خلال الشكل رقم (2) التى تعمل على توفير جملة من العناصر الرئيسية كمتطلبات للبني الأساسية للمعلومات من اجل بلوغ مستوى مجتمع المعرفة.

  

شكل رقم (2) عناصر البنية الاساسية للمعلومات في مجتمع المعلومات

    ويقودنا الحديث الى ظاهرة الاهتمـام الدولي بالبني الأساسية للمعلوماتية وإرساء أسس ودعائم مجتمع المعلومات سرد الفروق بين الدول والمجتمعات فمنها  Info Rich الغنية بالمعلومات والمنتجة والمصنعة لهـا ، ومنها Info Poor  الفقيرة للمعلومات والمستهلكة لمنتجات تلك الدول المصنعة ، والتى تحاول جاهدة النهوض والآخذ على عاتقها تبني سياسات واستراتيجيات ورؤى مستقبلية لتصبح في مصاف تلك الدول المتقدمة وبالتالي منافستها ، ولعله من المجدي والمفيد واخذ العبر من دروس والتجارب تلك المجتمعات .    

     خصوصاً وان دوافـع السياسـة المعلوماتية قـد تختلف بين الدول المتقدمة والمتنامية ، فالأولى دافعها هـو الخوف من خشية اضمحلالها وانهيار نفوذها الاقتصادي المؤدى الى تقليل حجمها وتأثيرها عالمياً بينما يلاحظ على الثانية دافعها الكامن لبلوغ مجتمع المعلومات التسريع بالنمو الاقتصادي من خلال الاستثمار والتوظيف الأمثل للمعلومات الذي يـؤدي لرفـع مستوى قطاعات المجتمع على وجه التحديد الخدمية والإنتاجية [6] ، ولكن بشكل عام ما يحملنا للتسليم والاعتراف بان هناك دولا نامية على وجه التحديد العربية منها قد أخذت بناصية الأمر وتبنت سياسات معلوماتية تفي باحتياجاتها الآنية وتؤهلها مستقبلاً للدخول بثبات في عصر القرية الإلكترونية والتواصل أخذاً وعطاءاً .

     حيث يتجلى ذلك بالانخراط السريع في تقنيات المعلومات بأكثر من طريقة كما سبق واعترفنا بجدوى نقلها أو توطينها او الاثنين معاً ، ويتجسد ذلك في انتشار خدمات شبكة المعلومات الدولية الإنترنت مع بداية التسعينات سواء بمبادرة من القطاع الخاص او بتخطيط وإشراف حكومي حيث انتشر بشكل سريع وتطور التعامل معها ليشمل  مجالات مجتمعية عدة ، اذ ان التعامل لم يقتصر على تقديم الخدمة فقط وإنما تعداه الى توفير محتوى معلوماتي ذوى جودة عالية باللغة العربية فقد كانت البداية أول دولة عربية أدخلت الإنترنت في الخدمة العامة هي تونس في سنة 1991 ، وجاءت بعد ذلك الكويت كأول دولة خليجية تدخل خدمة الإنترنت مع نهاية 1992 ، بينما في 1993 بدأت خدمات الإنترنت في الانتشار في كل من سوريا ومصر .

     أعقبتها كـل من لبنان في منطقة الشرق الأوسط والجزائر والمغرب في المغرب العربي عام 1994 ، بعد ذلك بدأت في 1995 بالأردن وفلسطين والبحرين والإمارات والسعودية ، وقد التحقت مؤخراً عمان وقطر[7] والجماهيرية الليبية في الاستفادة من حركة التواصل على شبكة الإنترنت في 1996 ، وعلى الرغم من ان الغايات والأهداف تكاد تكون متشابهة بين الدول الا ان اوجه الاختلاف في محركات السياسات وآليات التنفيذ وذلك راجعاً الى طبيعة مستوى التطور المجتمعي  الحضاري والأنظمة الثقافية والفكرية لكل منها .

     ولعلنا نتفق في ان مجال ورقه بحثية محدودة الأهداف قد لا يتسع لسرد وعرض تجارب تلك الدول التى قد تصل جذور خططها وسياساتها لقرن او بضعة عقود ، إضافة الى انه من العسير البدء من حيث بدأت تلك الدول كما انه إجحاف في حقنا ان نقارن أنفسنا او نضع أنفسنا في كفة الميزان مع تلك الدول المتقدمة ، لعل من المجدي والمفيد في هذا المنعطف الحرج عرض تجارب الدول أخذت بخيار التطور المعلوماتي لرسم أطر السياسية الوطنية من اجل إيجاد بنى أساسية لبلوغ مستوى مجتمع المعلومات والمعرفة في غضون السنوات القليلة الماضية وطبيعة نظمها وتراكيبها المجتمعي قد تكون مشابه لنا .

    وضرورة تستدعي ان يكون لدينا إدراكاً وإلماماً كاملاً للتجارب والمبادرات الدولية في هذا المجال ومن المفيد التعلم والإفادة من دول الجوار على سبيل المثال لا الحصر شرقاً مصر وغرباً تونس كذلك من اجل الاستفادة لابد من سرد لجهود التخطيط بالسعودية من اجل إرساء وتعزيز دعائم مجتمع المعلومات وتوظيف التقنيات المعلوماتية الحديثة ، كذلك انه من المجدي في هذه الورقة الإفادة من المبادرات الأفريقية والتى منها نيجيريا كنموذج ، والوقوف على بعض من التجارب والمحاولات الدولية الرائدة منها الرؤى الاستشرافية الماليزية في طريق التحول نحو العالم الإلكتروني .

مصر

  في الواقع ان مصر فطنت باكراً بأهمية الإفادة من ثورة المعلومات حيث عملت على تقليل الفجوة بينها وبين العالم المتقدم حيث أخذت على عاتقها نشر الوعي المعلوماتي وأهمية المعلومات وتوظيفها في التنمية والتطور وعملت على توفير بيئة رقمية افتراضية لكل شخص في اى وقت للتسوق والعمل والتعلم والاستثمار والترفيه ، اذ يرجع جهودها لخلق نموذج مجتمعي واعي بأهمية المعلومات الى منتصف الثمانينات من خلال إنشائها لمشروع المعلومات الوطني لخدمة أهداف لتنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي دفع لتأسيس بناء معلوماتي تحتي وذلك عن طريق تزويد مجلس الوزراء بالمعلومات اللازمة لصنع القرار وخدمة الخطط التنموية .

   كما قامت في ذاك الوقت بتشجيع ودعم المشاريع المعلوماتية التى من شأنها التعجل بالتطوير التقني والإداري في الوزارات والقطاعات والمحافظات وكل ذلك من خلال مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار Information and Decision Support Center التابع لمجلس الوزراء ، حيث عمل على دعـم تأسيس البنـي التحتية الوطنية للمعلومات التى تطورات حاليا لربط المجتمع المصري بطريق المعلومات السريع (Information Highway  ) والدخول لمجتمع المعلومات الكوني .

  وذلك لم يحدث بين عشية وضحها وإنما واجهت مصر عدة مشاكل من أهمها ضعف النية التحتية للاتصالات والإصلاح الاقتصادي ...الخ ، ولكنها عمدت منذ البداية على تبنى وتطبيق برامج اقتصادية واجتماعية بنيت على المعلومات التى تجسدت بتبني سياسة الانفتاح 1974 وبرامج الإصلاح الاقتصادي ، والاهتمام بتوظيف المعلومات لدعم اتخاذ القرار في 1985 ، وكذلك مبادرة الإصلاح الإداري (المأسسة) 1989 ، إضافة الى الاهتمام بالبنية التحتية الوطنية للمعلومات في 1994 والتى عبارة عن عدد كبير من المشاريع المعلوماتية (IT) وقواعد البيانات وأنظمة المعلومات ذات العلاقة بقضايا أساسية في الاقتصاد ومرتبطة عمودياً بالقطاعات وأفقيا بالبلاد وبشكل عام .

    كما اشتملت معظم التطبيقات المصرية للإنترنت والتقنيات المعلوماتية بصفة عامة على مجالات التعليم والصحة والبيئة والثقافة والسياحة والتوظيف والاستخدام والخدمات الحكومية والتجارة والأعمـال وهذه المشاريع او التطبيقات قد أثرت بطبيعة الحال على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر ، اما عن الجهود المصرية في مجال الاتصالات والارتباط بالإنترنت قد بدأت مند 1989 من خلال شبكة (Bitnet) ، وفي أكتوبر 1993 دخلت مصر في بوابة المعلوماتية من خلال ارتباطها ببوابة شبكة الجامعات المصرية ومع إطلالة 1994 أصبحت مصر مرتبطة رقمياً ولديها بوابة رقمية من خلال القمر الصناعي والكوابل[8] التى تعد العمود الفقري للاتصالات في مصر .

   وفي ذات الوقت سارعت وزارة الاتصالات والمعلومات المصرية بتكثيف الجهود لتطوير استخدامات تقنيات المعلومات والإسراع في بناء البنية المعلوماتية باعتبارها أهـم الأدوات التى ترفع كفاءة العمل الوطني وذلك لسد الهـوة او الفجوة الرقمية التى تعاني منها وذلك عن طريق زيادة حجم الاستثمارات في مجال التقنية المعلوماتية الذي ارتفع من 290 مليون جنيه مصري عام1999 الى 620 مليون جنيه مصري في 2000 ، كما أنها تركز اهتمامها بالصناعات المعتمدة على كثافة راس المال البشري من اجل التوسع في استخدام تقنيات الشبكة الذكية ، وكذلك التوسع في برامج التدريب لخلق الخبرات والكوادر بعد ان أوضحت وزارة الاتصالات والمعلومات ان عدد مستخدمي الإنترنت قد تخطى 700.000 مستخدم في بداية 2001 وقد توقعات وصول العدد الى مليون مع بداية 2001 و2 مليون في نهاية 2002 [9].

تونس

لقد وجهت تونس عناية بالغة لاهتمام بقضية المعلومات والتبادل الإلكتروني من خلال الاهتمام بالتنمية الاجتماعي والتقدم الاقتصادي ، ابتداء من نوفمبر 1997 وذلك من خلال اهتمامات وزارتي الاتصالات والتجارة ، اذ تستهدف الأولى تقييم خدمات الإنترنت مع حلول سنة 2000 حيث بادرت تونس من اجل ذلك وضع استراتيجية للتبادلات التجارية الإلكترونية وذلك عن طريق تكوين لجنة سنة 1997 وتم تقييم هذه التجربة في 1998 ذلك من خلال مجموعة خبراء دوليين من بلدان متقدمة عدة ، وفي سنة 1999 قامت تونس بإصدار سلسلة من القرارات لتأسيس بيئة قانونية تنظيمية تقنية ، ومن اجل تطبيق الاستراتيجية عمدت تونس لخلق الوعي أولا والتدريب وتطوير شبكة الاتصالات الوطنية ثانيا وتهيئة بيئة مناسبة للتبادلات التجارية الإلكترونية والإرسال السريع للمعلومات مع تطوير النقل والمواصلات وخدمات البريد ثالثاً .

    الواقع ان حملة الوعي تلك من اجل خلق بنية واعية بأهمية المعلوماتية والإنترنت وخدماتها بالمجتمع كانت عن طريق تنظيم قوافل الإنترنت بمعنى ظهور قوافل على شكل مجموعة حافلات مزودة بحواسيب للدعاية والإعلان عن المشروع وتقوم تلك الحافلات بتطويق كافة المدن والقـرى في جميع أنحاء البلـد ، إضافة الى تنظيم حلقات دراسية وورش عمل وتنظيم أسبوع الإنترنت الذي يتضمن مؤتمر على مستوى عالي حول التقنية ، وقد كانت من ضمن نتائج هذه الاستراتيجية نمواً ملحوظاً في قطاع الاتصالات التونسية اذ يلاحظ بلوغ 10 % في عام 1997 بينما ازدادت هذه النسبة الى 17% في 2000 وقد تم تعميم ونشر الارتباط بالإنترنت في المجتمع التونسي بعد ان تم إيصال الخدمات الهاتفية الى كافة المناطق التونسية وشملت كافة الطبقات الاجتماعية .

     لقد سعت الحكومة التونسية لرفع عدد المشتركين في الإنترنت من حوالي 30.000 في عـام 1999 من عدد السكان حوالي 9 مليون الى ان وصل 100.000 مع نهاية 2001 [10] ، إضافة الى ذلك ان نسبة ارتباط المؤسسات التعليمية التربوية بالإنترنت تصل الى حوالي 100% بالجامعات والمدارس الثانوية بينما تصل في المدارس الإعدادية 40% والابتدائية 10% ، ويصل عدد المستعملين حسب تقديرات الوكالة التونسية للإنترنت 534.900 وعدد المراكز العمومية 281 وعدد مزودي الإنترنت 12 .

     وليس هناك أدنى شك في ان تونس تعتبر من الدول التى حققت نجاحاً باهراً بمجال التقنية والاتصالات على وجـه التحديد الإنترنت اللاسلكي Wireless الـذي يعكس تطور البنية التحتية الوطنية للمعلومات ، التى تستهدف انطلاق الجامعة الافتراضية مستقبلاً ، ووراء كل هذا الجهد المتميز إرادة قوية لدفع هذا القطاع من اجل دخول تونس لمجتمع المعلومات بثبات ، ويتضح ذلك من خلال حديث وزير تقنية الاتصال والنقـل الـذي أكد في فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للاتصالات تحت شعار " تكنولوجيا الاتصال والمعلومات للجميع " ان الوزارة تستهدف فتـح القطـاع أمـام المستثمرين الخواص [11] من اجـل خلـق منافسة ترمـي الى تحسين وتطوير الخدمـات وتقليص حجم التكاليف .

السعودية

أمراً لا يتخلف على اثنين ان لكل دولة بنيتها وتركيبتها الاجتماعية ولهذا فانه من الملاحظ ان الحكومة السعودية سعت جاهدة من اجل الدخول لمجتمع المعلومات بثبات وعمدت في ذلك لإعداد خطـة وطنية لتقنية المعلومات ، وكان للقيادة السياسية العليا بالدولة دوراً بارزاً في توجيه وإرشاد جمعية الحاسبات السعودية التى قامت بإعداد الخطة الوطنية لتقنية المعلومات وذلك في إطار تعاوني مع الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع العام والخاص .

    إضافة للاستفادة من الخبرات العلمية الأكاديمية والعملية المهنية في المجال مع الاطلاع على تجارب عدة دول والإفادة من مقترحات كفاءات وخبرات محلية في موضوع الخطط الوطنية لتقنية المعلومات ، وكل ذلك بغرض إعداد كوادر وطنية والاعتماد عليها وتهيئـة بنيـة مناسبـة لاستخـدام التقنية في التعليم ومحـو الأمية التقنية ، بمعنى نشر الوعي المعلوماتي واستثمار تقنيات التعليم عن بعد والنشر الإلكتروني مع المحافظة على الثقافة العربية الإسلامية ونقلها للعالم ، وتنمية صناعة التقنية للرفع من معدلات الاقتصاد الوطني والاعتماد على التجارة الإلكترونية وإعداد تشريعات في المعلوماتية ونقل التقنية وتوطينها وبالتالي يتحقق الارتقاء بالبنية التحتية بفعالية كبيرة .

    وقد وضعت استراتيجية مرنة حسب المعطيات والظروف للانتقال الى المجتمع المعلوماتي خلال العشرين سنة القادمة تم فيها تحديد المكونات الأساسية والمراحل المستقبلية وطبيعتها ( مدخلات ومخرجات ) ، وتتكون من الخطة الخمسية الأولى والتى يقترح فيها إعداد خطة عاجلة لمعالجة المتطلبات الملحة والواضحة التى لا تنتظر التأجيل مثل إعداد أنظمة وتشريعات تتعلق بالمعلوماتية في البلاد ، اذ يلاحظ ان الخطة الخمسية تتكون من مراحل رئيسية وهي إعداد الخطة وآلية تنفيذها والبدء في التنفيذ ومتابعة التنفيذ من اجل إزالة الصعوبات التى تواجه التنفيذ وتحديد النتائج .

     وتالي تلك الخطة الخمسية الأولى ثلاث خطط خمسية أخرى وتركز الخطط جميعها على واقع المعومات في السعودية والاستفادة من الخبرات والاطلاع على احدث ما توصلت إليه الشركات العالمية الرائدة في المجال وتحديد اوجه الاستفادة منها ، وان الخطة الوطنية لتقنية المعلومات تتكون من أربع لجان تنفيذية متخصصة في تنفيذ المحاور الرئيسية الآتية :

 -  أولاً : لجنة الثقافة والتعليم تعمل على إعداد الكوادر الوطنية ومحو الأمية التقنية وإدخال التقنية في التعليم والمحافظة على الثقافة العربية الإسلامية ونشرها عبر العالم الرقمي .

  - ثانياً : لجنة التجارة والاقتصاد تهتم بصناعة المعلومات واستثمارها لدعم الاقتصاد وتحقيق التجارة الإلكترونية وتحقيق مردود اقتصادي واستخدام التقنية المعلوماتية في العمل عن بعد ونقل التقنية وتوطينها لإيجاد فرص وظيفية والاعتماد الذاتي .

 - ثالثا : لجنة الاتصالات والأمن تعزز البنية التحتية للاتصالات والإنترنت وتحقيق أهـم مقومات الأمن المعلوماتي وحفظ المعلومات السرية وعمل تشريعات وتحديـد المسؤوليات .

  - رابعا : لجنة الإدارة والخدمات تعمل من اجل تحقيق الحكومة الإلكترونية من خلال تقديم خدمات الإلكترونية للمواطنين وتسهيل نقل المعلومات بين الجهات وتوفير او توظيف تقنيات المعلومات في كافة القطاعات بالدولة [12]، في الحقيقة ان هذه المجهودات رغم أنها مازالت في طور التخطيط والتنفيذ اى في إطار المشروع الا أنها تعتبر على مستوى الإعداد من الخطط الرائدة نظراً لاستنادها على أساس علمي أكاديمي سليم وشامل لكافة الجوانب الرئيسية للمجتمع .

نيجيريا

ان نيجيريا من بين الدول الأفريقية التى تنبهت لثورة المعلومات وتأثيراتها حيث أخذت على عاتقها النهوض وملاحقة تطورات العصر والدخول بثبات لمجتمع المعلومات ، فمن الجدير بالملاحظ أنها تدارست أوضاعها الراهنة وتبين لها ان البني التحتية الوطنية الحالية لتقنية الاتصالات والمعلومات لديها لا تمكنها من ان تكون جزء من مجتمع المعلومات العالمي فهي تعاني من عدم انتشار أجهزة الإعلام والمعلومات مما أدى الى توسيع الفجوة الرقمية ، وبالتالي فقد أدركت أنها تحتاج لأساس يكون بمثابة العمود الفقري للنظام الوطني للمعلومات ، وهذا الأساس هو التقنية المتمثلة في شبكات المعلومات والألياف الضوئية والوسائط المتعددة ...الخ

   وبالتالي عقدت حلقات دراسية وورش عمل من اجل تدارس وضعيتها ومحاولة إيجاد مخرج ووضع تصورات وبدائل مستقبلية لتأسيس البني التحتية الوطنية للمعلومات والاتصالات ووضع الخطط والاستراتيجيات ، وفي هذا السياق تم التوصل لجملة تصورات يعد تطبيقها خطوة على طريق الإصلاح النيجيري مستقبلا وبالتالي محاولة تجاوز الفجوة والتقليل من الفاقة وتحقيق الأمن الغذائي والرعاية الصحية وتلبية الاحتياجات الإنسانية وتحقيق الرفاه الاجتماعي والتعجيل بدخول مجتمع المعلومات .

    ولعل الجدير بالذكر من تلك المحاولات والمبادرات تنبه نيجيريا لحاجتها الملحة لعمل خطـة رئيسية واستراتيجية للمعلومات والاتصالات ومن اجل تطبيقها لابد من تأسيس لجنة لتنظيم القطاع (Information & Communication Technology) ، وكذلك ضرورة ان يكون ذلك بإشراف مركز وطني وعلى الحكومة تشجيع النيجيريين للمشاركة بشكل فعال للتطوير كما عليها ان تتخذ آلية لضمان تلك السياسات التى تبنتها ان تكون مطبقة وان تجعل الوصول لخدمات  ICTحق أنساني للجميع ، وتأسيس برنامج لتطوير او تحسين المحتوى المحلى كخطوة أولى من اجل جعل الخدمات والمنتجات متميزة مع التزامها بربط المناطق الريفية والنائية بشبكة الإنترنت ، وان يكون لكافة الوزارات والمؤسسات في الدولة أقسام وإدارات ICT مع تشجيع إنتاج البرمجيات في القطاعات العامة والخاصة [13] ، بمعنى اخر العمل على توعية النيجيريين بأهمية المعلومات والتقنيات الحديثة وإدخال الإنترنت في المؤسسات التعليمية وتنظيم حلقات دراسية محليه بصورة مستمرة .

      ونود ان نضيف من جانبا انه من خلال ذاك التدارس العلمي الدقيق وقفت نيجيريا على أهم العوائق التى تحد من انتشار التقنيات المعلومات والاتصالات منها على سبيل المثال لا الحصر قلة الوعي والخبرة بالتقنية وضعف البني التحتية للاتصالات وارتفاع تكلفة الحواسيب والاشتراك في الأنترنت ، ولذا اتضح لها ضرورة تحسين الأوضاع وربط نيجيريا بالإنترنت ، وأول تلك الحلول إصلاح الإدارة وإيجاد كادر مؤهل لإدارة نيجيريا في عصر المعلومات ولمواجهة التحديات كذلك نشر الوعي ، حيث تبين بان اكثر من 95% ليسوا مدركين لأهمية التقنية والمعلوماتية ولذا لابد من القضاء على أمية (الكتابة والقراءة ) والأمية المعلوماتية وخلق قاعدة عريضة للمستفيدين من تقنيات المعلومات والاتصالات .

       حيث كشفت محاولات تدارس الوضعية النيجيرية ان نسبة المؤسسات الحكومية النيجيرية منخفضة جداً في توظيف الحواسيب ، اما بالنسبة لجانب الاتصالات فان اغلب شبكات الهواتف تناظرية حيث اتضح لها ضرورة حاجتها للتطوير من النظام التقليدي الى الأنظمة الرقمية واللاسلكية لمواكبة التطورات في مجال الاتصالات ، كما انه لابد ان يكون نظام الاتصالات تنافسي من اجل خفض التكاليف [14]، واتخذت نيجيريا شعاراً لها "ان الأنترنت ضرورة حتمية من اجل التقدم وليس على سبيل الترف " .

ماليزيا

ان الوضع في ماليزيا مختلفا تماما عن ما سبق من الدول اذ يلاحظ المتتبع اهتمام الحكومة الماليزية منذ أوائل الثمانينيات بجدوى تطوير ونقل التقنية الحديثة من اجل خلق عمليات إنتاجية وكانت نتيجة ذلك إيجاد مهارة ومعرفة جديدة ، وقد اهتمت الحكومة الماليزية بشكل مركز على قضايا البحث العلمي والمكتبات ، اذ توضح الأدبيات ان إنفاق الدولة في احد السنوات من اجل شراء كتب أجنبية للمكتبات الوطنية قد بلغ 114 مليون دولار .

     ومن الملاحظ ان هذه الصحوة العلمية والاهتمام بالمكتبات وتزويدها قد ساعد ماليزيا على إيجاد بنية تحتية أساسية لخدمات المكتبات والمعلومات وتوفير مراكز متميزة للمعلومات وتقديم خدمات مكتبية جيدة، وذلك راجع بطبيعة الحال لوجود تشريعات مثل قوانين الإيداع وحق المؤلف والطباعة والتحكم في المطبوعات المستوردة ...الخ ، ويضاف الى ذلك توصيات المؤتمر الخامس لامناء مكتبات جنوب شرق آسيا الذي أعطى أولوية قصوى لتحسين الوصول الى المعلومات لجميع قطاعات المجتمع ووضع الآليات إدارية ضرورية للتحقق من تطبيق هذه السياسات ومتابعتها .

     إضافة الى توصيات مجموعة أمناء المكتبات وأخصائي المعلومات الماليزيين التى تشكلت في 1984 لإعداد مسودة للسياسة الوطنية للمكتبات وخدمات المعلومات التي تشترط إلتزام كل وزارة ان تخصص 2% من ميزانيتها لتطوير تكنولوجيا المعلومات وتطبيقها في أنشطتها [15] ، وكما نعلم جميعاً ان صياغة السياسة ليست هدفاً في حد ذاته وانما هي وسيلة لغاية فقد سعت الحكومة الماليزية من ناحية أخرى لتحرير صناعة الاتصالات بخصخصة قسم الاتصالات الحكومية في 1987 وشكلت سياسة اتصالات وطنية 1994 وعلى اثر ذلك قد تحرر السوق بالكامل من الاحتكار الحكومي وتطورات شبكات الاتصالات في 1995 بشكل ملحوظ .

      وعلينا ان نقر بهذا الصدد بأهمية دور القيادة الماليزية في إدراكها لضرورة تعاون وتضامن كافة مؤسسات وقطاعات الدولة لدخول ماليزيا في العالم الرقمي ، حيث قامت بصياغة خطة ورؤية طموحة استشرافيه ( رؤية ماليزيا 2020 ) ، وعملت على صياغة جدول أعمال للتنفيذ في أواخر 1996 حيث يتضح جوهر الاجنـدة لتحقيق الرؤية في الشكل رقم (3) ، المُعد  من قبل المجلس الوطني لتقنية المعلومات برئاسة رئيس الوزراء ويتكون أعضائه من القطاعين العام والخاص وانطلقت استراتيجية ماليزيا في 1996 متضمنة برنامج الرؤية 2020 التى تستهدف بناء مجتمع ماليزي قائم على وفرة المعلومات والثراء المعرفي مع زيادة التنافس العالمي لإيجاد بيئة اكثر جودة للتقنية وبنى تحتية يمكن ان تجذب المستثمرين الوطنيين والعالميين وتخلق تأثير إيجابي في باقي قطاعات الاقتصاد وعلى وجه التحديد التعليم والصحة والحكومة والتجارة والتصنيع وجعلها إلكترونية والوصول لمجتمع مبني أساسا على قيمة المعرفة مع العادلة في إتاحة الوصول للمعلومات والمعرفة بحلول 2020 [16].

الشكل رقم (3) جوهر الرؤيه الماليزية

      كما أنها سعت من جانب اخرى لتطوير البنى التحتية الطبيعية كالإنشاءات والمباني والتجهيزات الكهربائية التى حققت فيها تطورات هائلة وانتشار خدمات الاتصالات الهاتفية التى بلغت من 16.6 الى 23.2 خلال الأعوام 1994 – 1999 ، كما أنها تعمل على زيادة إيصالها للمناطق الريفية والنائية والتى تبلغ فيها قيمة الإنجاز 5.2 في 1994 الى 11 في 1999 وتستهدف مواصلة تأسيس البنية التحتية للاتصالات والوصول لخدمات الأنترنت واتاحة الاتصالات اللاسلكية  Wireless للجميع .

     ونظراً لمتطلبات النمـو الاقتصادي المتزايد على عمـال المعرفة وذوي المهارات والكفاءات العالية فانها عملـت على توظيف أنظمة تعليمية عالية الجودة من اجل تلبية احتياجات سـوق العمل وذلك بدمـج منهجية التعليم والتدريب مع زيادة الاهتمام بمحـو الأمية التقنية وإدخال الحواسيب فـي العملية التعليمية وقد نظمت الحكومة الماليزية دورات تدريب للمعلمين بلغ عدد المعلمين حوالي 1230 معلم عن كيفية استخدام الحواسيب وتدريس المعلوماتية في المرحلة الثانوية كذلك إنشاء معامل حواسيب في 90 مدرسة ثانوية و20 مدرسة ابتدائية بين 1996 – 1998 [17] ، وكل ذلك بهدف انتقال ماليزيا للعالم الإلكتروني وتحقيق رؤيتها الاستشرافية لسنة 2020 .

ثالثا : التنسيق بين آليات التخطيط وأدوات التنفيذ

      بناءاً على ما تقدم نود الوقف على حقيقة غاية في الأهمية الا وهي من المفيد التعلم والإفادة من تجارب ودروس الآخرين ، اذ أن الموقف الراهن يستوجب ان نقر بأننا نتلمس طريقنا الآن لإعداد البنية التحتية لمجتمع المعلومات بالجماهيرية وان كثيراً من دول العالم على وجه التحديد النامية ، قد سبقتنا في هذا المجال وصارت الفجوة بيننا في اتساع مستمر مما يجعلنا نخشى من تأثير التخلف على وجودنا وكياننا وعلى قدرتنا على اللحاق بالعصر الذي نحياه .

    وقد يتسأل البعض عن كيفية ايجاد قطاع معلوماتي وماهي مقوماته الاساسية ؟ وأيهما اسبق السياسة الوطنية للمعلومات ام التشريع القانوني الخاص بالمعلومات ، وللإجابة عن هذا لابد من الاعتراف بان السياسة المعلوماتية تؤكد على وجوب تشريعات وأسس قانونية لكي تكون ذات فعالية ويعتبر احد اهداف السياسة تفعيل القانون وإيجاد مستوى عال من التكامل فيما بينهما ، لهذا قطاع المعلومات يستند بالدرجة الأولى على وجود اطار تشريعي يتم من خلاله إيجاد سياسة تعمل على تفعيله ونشر الوعي المعلوماتي وخلـق عناصر بشرية ونظم مؤسسية وبالتالي تنامي قطاع المعلومات كما هو بالشكل رقم(4) .

 

الشكل رقم (4) المقومات الاساسية لقطاع المعلومات

     وبلا شك ان عمليـة التخطيط تنطلق من قراءة وتقديم للواقع الفعلي للمجتمع والإلمام بكافة المجالات ، وإذ لم يراعى ذلك فان الموضوع يبقى مجرد عمل فكري إبداعي غاية في الإتقان ولكنه لا يؤدي الى تأثير واقعي يذكر ، ولهذا فان طرح إيجاد استراتيجية معلوماتية جيدة نجدها تقع في مركز البؤرة بين السياسة التى تحدد الغايات المراد التوجه نحوها من ناحية والخطط والبرامج التى توضع لتحقيقها من ناحية أخرى ، فهي تسعى لتحديد المعالم المستقبلية الذي بطبيعة الحال تتوافق مع الغايات التى تحددها السياسة ، اما فيما يخص الجانب التخطيطي فهو عملية حتمية تعكس جملة الإجراءات لتحقيق الأنشطة والوصول للغايات المنشودة .

    ولعل المتتبع لوضعية المعلومـات والمعلوماتية في الجماهيرية الليبيـة يلاحظ وجـود إطار تشريعي للمعلومات تمتـد جذورها الزمنية لمنتصف الثمانينيات والذي يُعـد من الأطر التشريعية الجيـدة اذ ما قـورن بغيره من التشريعات الدوليـة ، وهـذا يوازي فتـرة الصحوة العلمية والاهتمـام بالبحـث العلمـي في ماليزيا ، وكذلك حركـة الإصلاح الإداري في مصـر وإنشاء مركـز المعلومـات ودعـم اتخـاذ القـرار التابع لرئاسـة مجلـس الـوزراء في جمهورية مصـر ، كما سبق وتحدثنا عنها .

     وفي معرض التقديم لهذا الجزء نود الإشارة والحـق يقال ان هناك جهدا واضحا يتمثل في التخطيط والإعداد لجملة من التشريعات وهو الأمر الذي اخذ بلا شك الكثير من الوقت وشاهد معاناة ممن قاموا بوضع وصياغة المسودات والمكاتبات لتلك التشريعات وإخراجهـا الى النوار ، فأصبحت حقيقة واقعة حتى وان على ورق تقف عند حد القول الى الفعل ، الا انه لا يمكن تجاهلها فإذا ما قدر لها التطبيق على الوجه العلمي السليم سوف تعود بالفائدة والنفع بلا شك على جميع القطاعات التنموية والإنتاجية والخدمية بالمجتمع .

     فمن المعلوم ان الاطار التشريعي للمعلومات في ليبيا يتمثل في سلسلة مكونة من مجموعة حلقات وأول تلك الحلقات التشريع رقم 27 بشأن انشاء المركز الوطني للمعلومات والتوثيق الصادر عن اللجنة الشعبية العامة بتاريخ 15 يناير 1985 ، فهو مخول بوضع استراتيجية لاستخدام الحواسيب وتوظيفها في الجماهيرية ووسائل الحفظ والتوثيق واقامة قواعد معلومات في مختلف المجالات اضافة لحفظ المعلومات وفقا للأسس والأساليب والوسائل التقنية الحديثة وجعلها في متناول الجهات المستفيدة منها .

      ناهيك عن سلسلة القرارات التالية لهذا القرار والتى منها على سبيل المثال لا الحصر قرار 772 بشان انشاء مراكز قطاعية للمعلومات والتوثيق سنة 1989 ، وقد توج هذا الاطار التشريعي بصدور قانون رقم 4 بشان النظام الوطني للمعلومات الصادر بتاريخ 14 الماء (مايو) 1990 ، ومن الجدير بالانتباه في هـذا الصدد ان هذا القانون من ضمن القوانين التى حظيت بالمناقشة المتعمقة الوافية في اطار شعبي ثقافي لكافة جماهير المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات والاتحادات والروابط المهنية ( بمؤتمر الشعب العام ) في دور انعقاد العادي السادس عشر في الفترة من 2-9 الربيع (مارس) 1990 ، اضافة لقرار 1011 لسنة